العدد 1-2

الدعوة إلى الحق

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}

منذ أربعة عشر قرنا أضاءت شمس الحياة على العالمين وارتفع صوت جهوري في بطحاء مكة فاهتزت له أرجاء العالم واندكت صروح الظلم والمفاسد في جميع الآفاق. وقد اختص الله ذلك الوادي الغير ذي زرع بينبوع الهداية الكاملة وماء الحياة الشاملة فتدفقت منه شآبيب الرحمة وهبطت فيه ملائكة السماء وجيوش الرحمن فأشرقت الأرض بنور ربها وانبثق فجر الإسلام من ذلك الوادي الكريم فانكشفت به الغياهب وانجابت الدياجي وانقشعت سحب الليالي الليلاء التي كانت تسود العالم كله قبل مبعث سيد الأنبياء محمد ﷺ.

إن الدين الذي جاء به سيد الورى هو خير دين نزل من السماء لأنه دين كامل لم يغادر صغيرة ولا كبيرة ولا شاردة ولا واردة لهداية الخلق إلا أتى بها وبرهن على صدقها بالبينات والحجج الغالبة وهذا هو الأمر الذي لم يأت بمثله دين من الأديان ولا نبي من الأنبياء الأولين.

لقد كافح النبي ﷺ لإظهار دينه الحق مكافحة معدومة النظير ونافح عن بيضة الإسلام منافحة تحير العقول وأوذي في سبيل الله إيذاء لم يؤذ بمثله أحد من قبل ولا يؤذى بمثله من بعد، “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”، وكان ﷺ في كل أعماله وأحواله وصفاته القدوة الكاملة لكل معنى من معاني مكارم الأخلاق وصفات الكمال في نوع الإنسان.

كان هدفه ﷺ تطهير الإنسانية من أدران الشرك وعبادة الأهواء والأوثان ورفع الإنسان عن مستوى الحيوان وإيصاله بالسماء وتعريفه بخالق الكائنات وبكلمة أخرى جعل الإنسان عاقلا يفكر بعقله في ملكوت الكون علوه وسفله على الدوام بدون أن تؤثر عليه الأهواء الدنيوية والملذات الحيوانية والمظاهر المادية فيكون عبدًا لها وأسيرًا للتقاليد والعادات الباطلة – إن هذه كانت الغاية العليا التي كانت غرض نبي الإنسانية الكريم لم يقدرها المشركون قدرها وظنوا كما يظن صغار الأحلام في كل زمان أن محمدًا ﷺ طالب الدنيا الدنية فقاموا في سبيل نشر الديانة الإسلامية حجر عثرة ولم يدعوا وسيلة من وسائل الإيذاء والضر إلا استعملوها في حقه ﷺ واشتد الصراع بينه وبينهم وتصادم الحق والباطل والظلمة والنور ولم يزل الله يأتي الأرض ينقصها من أطرافها حتى تبددت جيوش الظلام أمام شمس الإسلام وزهق الباطل أمام نور الحق وقوته وذهبت مساعي الكفار أدراج الرياح وردت مكائدهم في نحورهم ورجعوا بخفي حنين وشاع الإسلام وانتشر دين محمد سيد الأنام وكان انتشاره سريعًا لا نظير له ولا مثيل له وظهر على الأديان كلها في نصف قرن من الزمان وملكت جيوش الإسلام المشرق والمغرب ودانت لها الممالك والدول ولم يبق صوت عاليًا في الأرض غير صوت لا اله إلا الله محمد رسول الله والله أكبر الله أكبر وغدت رعاة الإبل ملوكا وأمراء وذوي تيجان ورعاة على الخلق يحكمون الأقوام ويسوسون الشعوب.

ولقد يزعم بعض الجهال وأعداء الإسلام زورًا وباطلا أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيوف المشهرة المهندة والرماح السمرية المقومة ولا يدرون أن الدين كيفية روحية تتعلق بجذور القلوب وترسخ في أعماقها ولا يمكن لبشري أن يملك القلوب الإنسانية ويفتحها بالمهند والمذرب إلا بفضل الله وخلق عظيم وهم لو وجهنا إليهم هذه الأسئلة لعلموا أنهم في ضلالتهم يعمهون.

هل لهم أن يقولو كيف اجتمعت كلمة أصحاب الصوارم البتارة وأرباب المثقفة العوالي وهم لا يجهلون أنهم كلهم كانوا ألبًا على صاحب الرسالة المحمدية وكانوا أعداءه الألداء الأشداء؟

وأية روح هي تلك التي جعلت من قلوب الأعداء الشديدي الخصومة أفئدة متحدة الأرواح دافعت عن كيان الإسلام بعد أن كانت كلها تحاربه وذبت عن حياض الدين الحنيف وذادت عن حرمته وباعت كل غال ورخيص في سبيله حتى تم لها النصر والفلج وقهرت العالمين وثلت عروش الملوك بصورة لم يعرف التاريخ لها مثيلا؟ وإذا كان المسلمون استعملوا السيوف في نهضتهم فماذا كان أهل الديانات الأخرى يعملون؟ هل كانت سيوف الأكاسرة والقياصرة في أغمادها؟ وهل كانت تلك الممالك المنتظمة في مقدرات البشر إذ ذاك نائمة أم كانت سيوفها مثلمة؟ أم أن الأمر الحق والحق هو الذي يجب أن يقال ويقبله أولوا العقول أن الحق والباطل تصارعا إذ ذاك وكلاهما استعمل السيوف فظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وإن أهل الباطل كانوا هم الظالمين؟

وبما أن البحث بمعزل عن العنوان الذي خصصنا به هذا المقال فإنني سأرجئ التفاصيل في أمر الحروب الإسلامية ومشروعيتها إلى فرصة أخرى إن شاء الله ولكنني لا بد لي من القول أن الإسلام كان تغلبه على العالم خارقًا للعادة رغم أنوف أعدائه وإن ظهور الحق وانهزام الباطل أمامه لم يتم في العالم بمثل ما تم على يد سيد الأنبياء محمد ﷺ وإن اللبنة التي وضعتها يد اليتيم وهي ضعيفة صغيرة غدت قوية عظيمة وصارت حصنًا حصينًا يعلو قنن الجبال الشامخات وإن البذرة التي بذرت في واد غير ذي زرع أنبتت دوحة عظيمة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وصار الإسلام عزيزًا منيعًا وغدا أهله سادة العالم وعظمائه الأمجاد –نعم كان المسلمون أعزة وعظماء وكانوا قادة العالم بلا نزاع ولا مراء وكان الله ينصرهم في كل موطن وما ذاك إلا لأنهم نصروا الله فنصرهم وكان معهم وإن العزة لله ورسوله وللمؤمنين.

ولكن خلف من بعد الأوائل الأطهار خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فلقوا جزاء أعمالهم وحاق بهم الخسف والذل من كل مكان وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون – كان المسلمون متمسكين بكتاب الله معتصمين بحبله فكان الله يثبت أقدامهم ويعينهم في كل موطن ولكنهم اليوم نسوا الله فأنساهم أنفسهم وانكبوا على جيفة الدنيا وانهمكوا في غلوائهم وخزعبلاتهم واستهتروا بدينهم وأوامر ربهم فأخذهم الله وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.

مضت القرون الكثير وما زال المرض يتفاقم والجرح يتسع والآلام تزداد والمصائب تتكاثر ولحق الهوان بالمسلمين إلى درجة أنهم طمعت بهم أحقر الأمم وأذلها وصار اليهود الذين كتب عليهم الله الذلة والمسكنة إلا بحبل من الله أو حبل من الناس يزاحمون المسلمين على مقدساتهم وفي عقر دارهم فيا للمصيبة ويا للعار!

لقد أصبح العالم بأجمعه حربًا على الإسلام والمسلمين –المسيحيون وجيوشهم التبشيرية من المغرب والمجوس وحركات الأرية في المشرق والمسلمون بأنفسهم انبعثت فيهم فرق الضلالة والإلحاد وغدوا يهلكون أنفسهم بأنفسهم وهكذا عم البلاء واستفحل الداء والمسلمون لا يزالون يهملون دينهم الحنيف وليس لهم من دونه دواء وما برحوا يظنون بالله الظنون وأشغلتهم السياسة والوطنية عن الله الحي القيوم وتفرقوا شيعًا وهم أحوج ما يكونون إلى الاتحاد والوئام وكثرت أحزابهم وسادهم الإنشقاق والاختلاف وكل حزب بما لديهم فرحون.

ولا شك أن ما آل إليه حال المسلمين من الضعف والاستكانة لا يحتاج إلى طول بيان ولا زيادة شرح وإنما قصدنا الذكرى للرجوع إلى القرآن المجيد حيث العزة والجاه والمجد والحياة والسؤدد والسعادة والفخر والاستقلال وكل ما ينشده طلاب الحياة وإن كل ما وقع بالمسلمين من الكوارث والمصائب إنما كان لاهمالهم كتاب الله وراء ظهورهم واتخاذهم إياه مهجورا وتركهم العمل بأوامر الشرع وعدم اجتنابهم نواهيه – ولقد صرح بذلك سماحة المفتي السيد الحاج أمين أفندي الحسيني مخاطبًا مندوبي العالم الإسلامي في المؤتمر الإسلامي العام وهذا نص ما قال:

“أيها الإخوان الكرام لقد كان في تلك الإغفاءة الطويلة التي أخذت المسلمين من بضع مئات من السنين فرصة ثمينة اهتُبِلت فمزقت جسم هذه الأمة كل ممزق، ومازالت المصائب تترى والبلايا يتبع بعضها بعضا تنزل بالأمم الإسلامية وبلادها أمة فأمة وبلدًا بعد بلد حتى عمت الرزايا وشمل البلاء وأحيط المسلمون جميعا من كل جانب فلا حول ولا قوة إلا بالله. {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}

أيها الإخوان

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} فما أصاب المسلمين من ضعة بعد رفعة وذل بعد عزة وضعف بعد قوة وقلة بعد كثرة إنما هو لانحراف منهم عن سنن دينهم القويم ولتهاونهم بمبادئه وتركهم لأوامره وخروجهم عن قواعده وهو الدين الذي كفل لهم السعادة في هذه الحياة الدنيا والآخرة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}

لقد نسينا الله فنسينا، ونسينا الله فأنسانا أنفسنا وتركنا العمل بكتابه فتركنا وسلط علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}” (جريدة فلسطين في 7 ديسمبر سنة 1931)

أيها القراء الكرام! إن الداء لمعروف وإن الدواء لموجود ولكن الطبيب الذي يناولنا الدواء والذي ينتظره العالم الإسلامي بأجمعه هو الذي جئت بهذه الأسطر لأرشدكم إليه وهو الذي على يده تتم الحياة ويعود الإسلام إلى غابر مجده ويعلو شأن القرآن ويخفق لواء دين الله الحق المبين في جميع الربوع. إن الطبيب الروحاني الحاذق الذي وعدنا به سيد الخلق أجمعين هو أحمد المسيح الموعود عليه السلام، ولقد أنبأنا الله في كتابه المجيد أنه سيبعثه في الآخرين من الآخرين وحاشاه تعالى أن ينسى وعده وهو أصدق القائلين – يقول تعالى – {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} وقال في حق جماعته {ثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} وسماه بالشاهد في قوله {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} وورد في الصحيح البخاري بأنه يأتي من الأمة المحمدية وذلك في قوله ﷺ “وإمامكم منكم” وفي صحيح مسلم “فأمكم منكم” وقد وعدنا سيد الخلق محمد ﷺ بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (أبو داود).

وأن هذا القرن لم يظهر فيه أحد من المجددين سوى المسيح الموعود عليه السلام وها قد مضى من القرن الرابع عشر نصفه وجماعته تتقدم وتنمو في العالم بصورة عظيمة ولم توجد صفات المصلحين الكاملين إلا فيه وفي أتباعه وإن الأنباء الدالة على مجيئه هي أكثر من أن تحصى وقد تناقل عقيدة مجيئه عليه السلام جميع المسلمين باختلاف ديارهم وفرقهم وقد ظهر هذا الموعود في الوقت الذي ظهرت علامات مجيئه بأجمعها فطوبى لمن سمع دعوة داعي الله وآمن به لأن معرفته والإيمان به يتعلقان بمعرفة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به ولا شك أن من يجهل الخادم يجهل سيده ومخدومه والعكس بالعكس وما المسيح الموعود إلا خادم المصطفى وسيد المجددين لشريعته السمحاء ولا خادم للإسلام بعد محمد ﷺ غيره ولا قائم بأمر الله مثله وحسبنا قوله ﷺ “ولا المهدي إلا عيسى” (إبن ماجه).

هذا وإنني اتوخى بهذا النداء أداء الواجب لاسماع صوت الحق في الديار العربية وأرجو أن يكون القراء الكرام ممن قال الله في حقهم {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.

ولا غرو إذا كذب المكذبون خصوصًا المشائخ الذين لا يدرون بأية الدواهي ديس الإسلام فقد جرت سنة الله منذ الأزل بأنه دائما يرسل المصلحين إلى الخلق والناس كانوا بهم يستهزئون ولقد خلت من قبلهم المثلات وليس المسيح الموعود عليه السلام بدعا من الرسل وليس مجيئه إلا بالصفة التي جاء بها الأولون وإن هذه الحقيقة يعلمها كل من أوتي حظًا من علم القرآن المجيد وسنن الله في خلقه وقد قال الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه بأنه “إذا خرج هذا الإمام المهدي فليس له عدو مبين إلا الفقهاء خاصة” ولكن الإسلام الذي اقتضت حكمة الله إحياءه على يد المسيح الموعود عليه السلام سوف لا يؤثر عليه تكذيب المشائخ وإنكار المنكرين وإن مرضى العقول الذين اضمحل الإسلام بواسطتهم سوف تكون خصومتهم وبالًا عليهم وإن الأمراض المتفشية في الأخلاق والنفوس لابد أن تزول ويحل محلها الجد والإقدام والدين الصحيح على يد المصلح السماوي الذي أرسله الله لتطهير النفوس من الذنوب والآثام وتخليص الناس من الدمار والهلاك ولهذا قال حضرة أحمد المسيح الموعود عليه السلام.

وقد اقتضت زفرات مرضى مقدمي *** فحضرت حماّلا كؤوس شفاء

الناس هنا وهناك يفتشون عن ضالتهم التي تنيلهم الحياة وتجمع شتاتهم وتصلح فاسدهم وتقوم معوجهم ولكن هيهات أن يجدو بغيتهم إلا إذا قبضوا على ناصية الأسباب الصحيحة وسلكو الطريق المستقيم في سبيل النجاح والفلاح. ألا إن هذه الجادة القويمة لا يجدونها إلا عند المأمور من الله خالق الأسباب كلها والذي عنده وحده قصد السبيل وكل السبل ما عدا سبيله جائرة ملتوية وإن كل من يفتش عن الحياة من طرق أخرى لا يكون إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.

أيها المسلمون! أبشروا وابتهجوا وافرحوا بمقدم سيد خدام المصطفى ﷺ وقد جعل  الله المسيح الذي ينتظره أهل الأديان رجلا منكم وأرسله لتأييد دينه الحق المبين ومحاربة أعدائه الألداء بالحجة والبرهان وسيظهر الله به الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون وان ظهوره عند الحاجة الماسة لأكبر برهان على صدقه وصدق أنباء النبي ﷺ بحقه.

أيها المسلمون! لا تنظروا بعد اليوم إلى السماء فليس من سنة الله أن يرسل أحدًا من السماء وها هم اليهود لا يرتدعون عن ضلالتهم التي سفههم عليها عيسى ونبينا عليهم الصلاة والسلام ولا يزالون ينتظرون مجيء إيلياء – سيدنا إلياس – من السماء بجثمانه فلا تكونوا مثلهم بانتظار المسيح عيسى بن مريم عليه السلام من السماء مع أن السماء خالية عن روحه الشريفة وحاشا لله أن يعيده إلى الدنيا ويرسله ثانية إلى الأمة المحمدية ويخلف ما قال في حقه {وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} لقد مات عيسى بن مريم عليه السلام ولحق بإخوانه الصالحين الأبرار حسب قوله تعالى {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} وكان عمره مائة وعشرين سنة كما نصت على ذلك الأحاديث ودفن في كشمير وقبره هناك يزار والذهاب إلى هناك والتحقيق عنه بمتناول كل إنسان بعكس السماء وأنا بنفسي زرت قبره في السنوات الأخيرة.

إخواننا الكرام! لا حمى في هذه إلا حمى الله ولا عاصم من أمره الّا هو – هو الذي قد مد يده لحماية المسلمين فطوبى لقوم يتقون– اعلموا أن المسيح الإسرائيلي عليه السلام قد توفي وأرسل الله أحمد القادياني بصفته وقوته وجعله من خير الأمم وشهد على صدقه السماوات والأرض ونطقت الأنباء ولهجت الصحف بصدقه عليه السلام واتبعه الألوف ومئات الألوف ولا يزالون يزيدون كل يوم فبوركتم أنتم إذا عرفتم وآمنتم به أيضًا والآن إني أختم مقالي بكلماته المباركة فأمعنوا النظر فيها جعلكم الله من الناجحين. يقول حضرته ما نصه:

“وإني جئت لنصرتكم من جنابه كأسد يطلع من غابة ويصول كاشرًا عن أنيابه فكروني رجلا من القسيسين والملحدين والمشركين من يبارزني في هذا المضمار ويناضلني بآيات الله القهار ووالله ان كلهم صيدي وسد الله عليهم طريق الفرار لا يؤيهم أجمة ولا بحر من البحار ونحن نفري الأرض مسارعين إليهم ونبريها بسرعة كالمنتبهين وإنا إن شاء الله فاتحين فائزين وإنهم ما كانوا ليغلبوكم ولكن ذهبتم إلى الفلاة من الحماة وإلى الموامي من حمى الحامي وانفدتم زاد العلوم وصرتم كالبائس المحروم وجعلتم أنفسكم كشيخ مفند لا رأي له ولا عقل –أو كبهيمة لا تدري إلا البقل– لا تقبلون سلاحا نزل من السماء من حضرة الكبرياء أما اسلحة الدنيا فليست بشيء بمقابلة هؤلاء الأعداء –فالآن مسكنكم فلاة عوراء ودشت ليس هنالك الماء وإنكم تتركون متعمدين عيونا جارية تروي العطشان وتختارون موامي ولا تخافون الغيلان– وقد ذابت الهاجرة بالأبدان مالكم لا تأوون إلى هذا الظل الرحب الذي ينجيكم من الحر ويهديكم إلى ماء عذب ويبعدكم عن حفر القبور وإن أكبر الدلائل على صدق من إدعى الرسالة هو وجود زمان كمل الضلالة وإن كنتم في شك من أمري فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين” (الإستفتاء صحيفة 54)

زر الذهاب إلى الأعلى