العدد 1-2

مقاومة الإلحاد – دلائل التوحيد

حاشا أن يتخيل أي عاقل لبيب بأن هذه الأرض بأفراجها وهذه السموات بأبراجها خلقت من غير شيء وظهرت من مكمن القوة إلى حيز الفعل من غير خالق وأن هذا الكون اللانهائي أبدع عبثًا وأنه سيذهب سدى – كلا! لأن المرء إذا نظر بفكر عميق وعقل مصقول لابد له من القول بأن للعالم صانعًا قديمًا قويًا مدبرًا مريدًا وغالبًا على كل ما ظهر واختفى، ولعمري أن الذين ينكرون ذاته سبحانه بتاتًا لا يسرحون الطرف ولا يجيلون النظر وراء المادة الجامدة ولا يتدبرون العالم إلا سطحيا ولو أنهم تأملوا فيه بإمعان ولو قليلًا لوجدوا أدلة حاسمة للشبهات مفضية إلى اليقين مقنعة اقناعا تلقف حبال الملحدين وعصيهم. 

إن سيول الإلحاد الجارفة وسموم الفتنة المتلفة أهلكت الشبيبة الناشئة في الغرب في دينهم وأخلاقهم ونار الزندقة أحرقت خشب الإيمان بقضها وقضيضها، والأوهام تركت أكثر الناس يتخبطون خبط عشواء وهذا هو السبب العظيم في انتشار الفواحش والسيئات في طول الأرض وعرضها لأن ضعف قوة الإيقان بالله سبب سريان الغواية في عروق الناس عامتهم وخاصتهم – وبما أن هذا الداء الدوي عاقبته الموت الروحاني حتما رأيت أن آتي ههنا بمقال وجيز ينتفع به أبناء بجدتي ليرتدعوا عن غوايتهم قبل أن لا يبقى وقت للهداية والرجوع إلى الحق فيقولون نادمين أن لات حين مناص. وإني أوجز مقالي بذكري هذه الدلائل السبعة على وجوده سبحانه وما التوفيق إلّا بالله.

(1) – إن العالم صغيره وكبيره فان ومتغير وكل متغير لا بد أن يكون حادثا، والحادث، أي مسبوق العدم، ضروري أن يكون له محدث وبكلمة أخرى الحادث يجب أن تكون له بداية وبداية الشيء دليل على كونه مخلوقًا والمخلوق لا بد له من خالق فثبت أن للعالم خالقًا أو تقول بأننا نرى في الدنيا في إيجاد الأشياء سلسلة العلل والمعلولات الحبة تنبت الشجرة، الأب يلد الابن، البيضة تنفلق عن الفرخ وهلم جرا فكل معلول له علة والإنسان بصفته حادثًا لا بد له أيضا من محدث يقوم في مقام العلة له ولا يجوز القول بأن هذه السلسلة تجري إلى غير النهاية لأنه يلزمنا القول بالدور والتسلسل وكلاهما باطل ولا سيما في الموجودات الخارجية إذ يجب حينئذ أن لا يوجد شيء من الأشياء وهذا خلاف المشهود فلا محيد عن القول بأن سلسلة المعلولات تنتهي إلى علة، لا علة فوقها وهي علة العلل وواجب الوجود وهذا معنى ما قال الله في القرآن المجيد {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَى} فالعالم بنفسه دليل يهتدي به أرباب العقول إلى رب العالمين. 

(2) – يحكم العقل جزمًا بأن الترتيب والنظام المحكم أكبر شاهد على وجود المرتب، فنحن لو وجدنا في أرض قفراء قصرًا شاهقًا فيه بيوتات مرصعة وسرر موضونة وأكواب موضوعة وشبابيك وأبواب ومنافذ على مقامها والأواني البلورية المذهبة مرتبة بلباقة في نواحي الغرف، فلا شك بأننا حالا نقطع بالقول بأن هناك بنائين ومرتبين جاؤا بهذا النظام الكامل، وعلى هذا المنوال نحكم على الدنيا وأشياءها بعقل وبصيرة وانصاف لأنها مرتبة مرتبطة بعضها ببعض كحبوب السبحة وجمان العقد على أبدع نظام. خلقت في العين قوة مبصرة وهي محتاجة إلى مادة تبصر بضوئها وتستنير بأشعتها فخلقت الشمس على بعد عظيم، مئات الملايين من الأميال؛ وهكذا يوجد الترتيب في جميع الكائنات حتى أن الطفل لا يخرج من بطن أمه إلا ويتدفق اللبن من ثدييها – فإن قال قائل بأن الأشياء الموجودة أوجدت بدون علة فإن قوله وإن كان في غاية الجهل والبلادة ولكنا نجيبه بأن نفس الترتيب والخيوط الغير مرئية الدائرة بين الأسباب ومسبباتها يضطرانه إلى القول بأن هناك خالقًا مدبرًا يدبر الأمور كلها وهو الخبير بها، وإلى هذه النتيجة الظاهرة يشير القرآن بقوله حيث يقول: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} وإن في ذلك عبرة للمتدبرين.

(3) – لا شك أن الإنسان هو أفضل من جميع ما عداه من المخلوقات وأشرفها ولكن مع ذلك فبديهي أنه مهما ترقى وحيثما تعالت أفكاره وسمت به عواطفه وأمياله فلا يمكنه أن يتجاوز حدًا معينًا وقدرًا مقدرًا من نواميس الكون فهو على الأقل لا يسعه أن يحرر نفسه ويملك أعتاقها من القوانين الأساسية الطبيعية كالجوع والعطش والتغير والفناء. 

هذا هو شأن الإنسان فما بالك بما دونه من ذوي الحياة من الذرة إلى الفيل ومن الذبابة إلى النعامة؟ فلا شك أن هذا التحديد والقسر يدلان بداهة على ذات محددة ومدبر قاسر، ولا يليق بمن فيه ذرة من العقل أن يقول ههنا أن الإنسان بنفسه هو حدد قواه وجعلها ناقصة عاجزة تحت قواعد قاسرة لأن الإنسان بطبعه وفطرته مجبول على فكرة حب الخير المحض والكمال ونظرية “أنا ولا غيري” فلو كان حصول القدرة اللانهائية ممكنًا بإرادته لما اقتنع ببضاعة مزجاة من الحياة وقوى مسيطرة عليه تهدده بالأخطار بين آونة وأخرى – فمحدودية الخلق لا سيما محدودية الإنسان دليل واضح على وجود الخالق البارئ المصور وهو الرب لا إله إلا هو، وقد جاء القرآن بهذا البرهان حيث قال {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} وأيضًا {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}.

(4) – اتفق مهرة علم النفس و دارسو ماهية الإنسان أن صوت الفطرة الإنسانية أكثر توفيقًا بالصواب وأشد استنباطًا للحقيقة وأن له وقعًا في النفوس وقد سموا ذلك الصوت الخفي والخريت الحقيقي حدسًا وإلهامًا وعدوا الحدسيات من المقدمات البديهيات.

فنحن نقول أن الفطرة الإنسانية تدل على ذات واجب الوجود الذي يميل إليه الإنسان في إستجلاب المنافع والعوائد ودفع الآفات وطرد البليات ولا سيما في حالة اليأس والقنوط حتى أن الدهريين المشركين أيضًا، حينما تحيط بهم الرزايا وتكون سفائنهم تتقاذفها العواصف وتتلاعب بها الأمواج عند هياج البحر، يدعون ربهم مخلصين له الدين ويمدون إليه أيديهم لطلب النصرة كأن ريح المصائب تسفي رماد الجهل والشرك عن القلب فتُرجعه لفطرته وتظهر جمرة المحبة الإلهية متوقدة تحته ونور الحق يتلألأ في قعر الفؤاد – هذه الشهادة التي تتلفظ بها الجبلة البشرية وتنطق بها شهود الباطن تقضي على أهل الإلحاد ومنكري وجود واجب الوجود قضاءًا تامًا فإن لم يقبلوها ولم يدروا حقيقة قوله تعالى {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ} فأولئك هم العادون وفي الآخرة هم الأخسرون. 

(5) – الإنسان تلومه نفسه وقت ارتكاب المعاصي والفواحش وتهنئه إذا عمل شيئًا من الباقيات الصالحات وهذا اللوم والمدح ليس لهما معنى إذا لم يكن هنالك يوم دينونة وجزاء وإذا لم يكن هنالك ثمة رب يجازي المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته لأن هذا الإحساس يخامر طبيعة الإنسان ويوجد بفطرته منذ الصغر ولا نجد ولا واحدًا من الأناسي خاليًا عن هذه العاطفة الشريفة ولو أخفاها تحت أستار الذنوب ودسها بأوساخ الجرائم حتى أن السارق ربما تؤنبه نفسه على عمله والمصر على الباطل توبخه فطرته وتخاطبه نفسه قائلة يا ليتني لم أعمل كذا وكذا وأسلك سبيل الضلالة والعناد يقول تعالى {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} فوجود هذا الحس الباطني ليس إلا علامة يهتدي بها أولو الألباب إلى رب الكائنات ويطهرون نفوسهم من جميع الأدران والأرجاس، يقسم الرب تعالى قائلا {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.

(6) – كثيرًا وكثيرًا من الأشياء نحن نصدقها بشهادة الآخرين ونعتبرها كاليقين خصوصًا إذا كان الشهود عدولًا ورأوها عن كثب مهما كانت هذه الأشياء بعيدة عنا وعلى هذا الأسلوب نقول أن صفوة الخلق وخيرتهم خلقًا وعدلًا وصدقا هم الأنبياء والأولياء لله حتى عند مكذبيهم أيضًا كما يشهد بذلك أعداؤهم فهؤلاء الأنبياء كلهم بلا استثناء يشهدون على وجود الله برؤيتهم تجلياته وسماعهم كلامه ويتحدون بدعواهم العالم قاطبة على اختلاف الأمصار والدهور. فهل يجوز العقل رد شهاداتهم كلهم؟ وأي شهادة أكبر من شهاداتهم في الدنيا؟ وهل يقبل العقل إنكار قول هؤلاء الأطهار المعصومين الذين لم يبتغوا شيئًا من حطام الدنيا وخدموا الإنسانية بإخلاص طول الحياة ولم يجر على لسانهم الكذب ولا مرة واحدة؟ كلا! بل إن شهادتهم مقبولة من كل وجه ولا يمكن ردها فوجود قيوم العالمين حق لا غبار عليه.

(7) – إذا أراد الإنسان الرقي لأعلى منازل المعرفة بالله وسلوك مدارج العارفين وسلم الحق الذي لا إنكسار فيه ولا انفكاك، فله أن يواظب على الدعاء من الله ويجاهد في سبيله ليكون من المهتدين يقول تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا) ولابد أن يقبل الله دعاءه إن كان مخلصًا لأن من طرق باب كريم فتحه له ومن أدمن قرع الباب أوشك أن يجاب يقول تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وإن قبول الدعاء بهذه الصورة يكون للسالك أهدى -ولا شك- من ألف دليل عقلي يتطرق إليها كلها سوء الفهم ومغالطة النفس وسيء الإحتمالات ويجعل المرء قادرًا على المثابرة على العمل الصالح وفعل الخيرات ويصبح بإيمانه جبلًا راسخًا ثابتًا في مكانه لا يتزعزع ولا يتزلزل، ثم إن من يحظى بقسط وافر من القرب الإلهي فهو على نور من ربه ينير الخلق بنوره وبالأنباء العظيمة التي هي فوق فكر المفكرين وتخرص المتخرصين لأن الله يختصه بأنبائه لتكون بظهورها دليلًا قاطعًا للطالبين على وجود ذات الخالق علام الغيوب والخفايا يقول تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. 

وصاحب هذه الدرجة -ولا شك- لا يتعلل بعسى ولعل بل يسقي ويعمل ويكون على بصيرة تامة هو وأصحابه حتى تدهش تضحياتهم العالم وأهله يقول الله تعالى {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ولعمري أن هؤلاء لا يرون الأشياء إلا بالله ولا يفنون إلا في الله ولا يحيون إلا لله، اليقين مطيتهم والسلامة دأبهم قد ذبحوا كبش القنوط وأضحوا بالله عارفين وفيهم يقول العارف الرباني حضرة أحمد المسيح القادياني عليه السلام:

العاقلون بعالمين يرونه *** والعارفون رأوا به أشياء

فطوبى لمن عرف هذا السر ووعى وإذا هُدي اهتدى.

زر الذهاب إلى الأعلى