الإسلام: عقيدة خالدة تحمي المرأة

في مقالته “آلهة الغد: ما هو مستقبل الدين؟” يرى رئيس التحرير السابق لمجلة “نيو ساينتست”، سوميت بول تشودري أن الأديان إما ماتت مثل الزرادشتية أو تطورت مثل المسيحية لتلبية احتياجات الناس. يدّعي بول تشودري أنه إذا كان ثمة أي عبرة في التاريخ فإن معتقداتنا “على الأغلب تخضع بمرور الوقت إلى التطور والتبدل بانتقالها لأجيالنا اللاحقة أو تضمحل بكل بساطة.” 1 ويبين أن هناك العديد من النظريات التي تبرر وجود الدين. فهناك فكرة سائدة أن الدين يمكن أن يكون “أفيون الشعوب”، أو أنه ضروري لتدعيم “الفكر المجرد المطلوب للعلم والقانون”، أو أنه يوفر “اللُّحمة الاجتماعية”. يجادل بول تشودري على أن الفكر العلمي الحالي حول الدين يتقبل فكرة أن “أي دين قائم يجب أن يقدم لأتباعه فوائد ملموسة.” 2
على الرغم من هذه الحجج، يعترف بول تشودري أنه في عام 2015 قام مركز بيو (PEW) للأبحاث بمحاكاة مستقبل الأديان العالمية وتوقع أنه بحلول عام 2050 سيتزايد التدين في الحقيقة بدلا من الانخفاض، وستزيد نسبته من 84 ٪ من سكان العالم إلى 87٪. علاوة على ذلك، فإن عدد المسلمين في العالم سوف يتساوى مع عدد المسيحيين.3 هذا يشير بالفعل إلى أن الإسلام يقدم ‘فوائد ملموسة’ من شأنها أن تفسر هيمنته وزيادة انتشاره.
بالنسبة للمسلمين فإن الله تعالى يؤكد بالفعل عالمية الإسلام وطبيعته الخالدة في القرآن الكريم الذي يؤمنون أنه كلام الله ووحيه. في حقيقة الامر قد أعلن الله تعالى فيما أوحى للنبي الكريم – صلى الله عليه وسلم -:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} 4
في الواقع يقدم الإسلام إرشادات شاملة للبشر حول كيفية تحقيق القدر الأسمى من المنفعة والمعيشة الراضية على جميع الأصعدة: الشخصية والاجتماعية والاقتصادية منها. لقد تذكرت هذا مؤخرا عندما قرأت الملصقات التي تم نشرها في شبكة قطارات الأنفاق من قبل هيئة قطاع النقل في لندن (TFL). حيث تحذر الملصقات المسافرين من السلوكيات الاجتماعية غير المقبولة مثل “التحديق” و”الاحتكاك الجسدي المتعمد” و”اللمس بطريقة غير لائقة” والتصرف المعروف باللغة الإنجليزية بـ “upskirting” وهو التقاط الصور من زاوية غير مناسبة بغير رضى الفتاة لرؤية ما تحت ملابسها.5 وتذكر الملصقات أن مثل هذه السلوكيات تعتبر “تحرشاً جنسياً صريحاً”. وقد تمت الإشادة على الانترنت بحملة هيئة قطاع النقل في لندن لتسليطها الضوء على عدد النساء اللواتي يشعرن بعدم الارتياح بارتيادهن لوسائل النقل العام. أخبار هذه الحملة دفعتني للرضى والحزن في آن واحد. إن هذه المبادرة نافعة وهناك حاجة ماسة إليها حيث قام 97 ٪ من النساء البريطانيات البالغات من العمر 18-24 عاما بالتصريح عن تعرضهن للتحرش. وذلك في استطلاع رأي حديث نشرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة (2021).6 للأسف، هذه لائحة اتهام وإدانة للمجتمع الحديث. من الواضح أن بعض الأفراد الآن إما يجهلون أو يتجاهلون عن قصد المستويات الأساسية من احترام الإنسانية والحشمة. علاوة على ذلك، لا أعتقد أن المشكلة محدودة بسواحل بريطانيا العظمى.
ذكرتني الحملة بأن الإسلام -الذي أعتنقه- والذي غالبا ما يتم ربطه بالتطرف والعنف، يحمل في جوهره مكارم الأخلاق والطيبة والتراحم. إن نبي الإسلام – صلى الله عليه وسلم – قد أعلن مهمته بشكل صريح بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”7 وقد علم أتباعه بكل بساطة أن “حسن الخلق نصف الدين.”8
لم يأت النبي الكريم إلا بما أنزله الله تعالى عليه في القرآن الكريم. في وحي الله تعالى هذا الذي نزل قبل 1400 سنة خلت نجد أن الرجال مأمورون أن {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} في سورة النور، وذلك قبل أن يتم إعطاء نفس التوجيه للنساء. في الواقع أوضحت الخبيرة الرائدة في السلوك البشري ومؤلفة ومؤسسة “علم الناس” فانيسا فان إدواردز أن التواصل البصري بنسبة 100 ٪ أو التحديق في الآخرين ما هو إلا “لرسم الحدود وإظهار العدوانية، وأن البشر يقومون بذلك على الأغلب قبل العراك.”9 وتقول أيضا: “الكثير من التواصل البصري قد يعتبر مؤشراً للعدوانية ويجعل الناس يشعرون بعدم الارتياح.” وذكرت ايضاً أن “التحديق بشكل متزايد يعطي فكرة أن من يقوم بهذا الفعل قد يكون فضولياً.”
وفي سياق الوصية القرآنية للرجال بغض أبصارهم في حضور النساء من غير أولي القربى، نصح إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية حضرة مرزا مسرور أحمد – نصره الله – الرجال من أبناء الجماعة:
ليس هناك تعليم إسلامي يمكن أن يعد سطحيا أو بغير حكمة، بل كل تعليم من تعاليم الإسلام مبني على حكمة وأسس متينة. فبأمر الرجال بغض البصر، يعلمنا الإسلام ضبط النفس في الحقيقة لأن مشاعر الرجل ورغباته تثور عادة من خلال النظر. فلحماية المجتمع من أمور غير لائقة ومن الأخطاء، أمر الإسلام الرجال والنساء على السواء بغض الأبصار عن الجنس الآخر، وحمايتها عن كل ما من شأنه أن يخلق أفكارًا شهوانية10
إذا حق لنا استنباط أي شيء فإن هذه النقطة توضح أن تعاليم الإسلام لم يعف عليها الزمن ولا هي متحجرة، بل أنها ذات صلة اليوم كما كانت قبل 1400 عام. القيم الأخلاقية والروحية التي يعلمها الإسلام توفر المنافع الملموسة التي يذكرها بول تشودري كمكونات للإيمان الحي. هذه هي حقاً القيم التي يفتقد إليها المجتمع حاليًا في وقت صرحت 97 ٪ من الشابات في المملكة المتحدة بأنهن تعرضن للتحرش. وكل شخص تعلم شيئا جديدا مما تحتويه الملصقات المذكورة أعلاه والتي تم تعليقها في شبكة أنفاق لندن يجب عليه أن يمعن النظر مطولاً في نفسه بدلا من الآخرين.
- https://www.bbc.com/future/article/20190801-tomorrows-gods-what-is-the-future-of-religion ↩︎
- المرجع نفسه ↩︎
- المرجع نفسه ↩︎
- المائدة 4 ↩︎
- https://www.standard.co.uk/news/uk/tfl-intrusive-staring-tube-london-crime-women-underground-b987537.html ↩︎
- https://www.unwomenuk.org/safe-spaces-now ↩︎
- حكمة الرسول الكريم، م ز خان، مسجد لندن، 1981، ص 62 ↩︎
- المرجع نفسه، ص 27 ↩︎
- https://www.scienceofpeople.com/body-language-examples ↩︎
- https://www.islamahmadiyya.net/booksinner.asp?recordId=34197 ↩︎

